|
تربض مدينة طرابلس- العاصمة الثانية للجمهورية اللبنانية- فوق سهلٍ مُنبسطٍ أفْيَح، تغسل أطرافه الغربية مياه البحر، وتتفيّأ بظلال سفوحِ جبال الأرز التي تتجلْبَب قِمَمُها بالثلوج، من جهة الشرق، ويُشرف عليها من الشمال الشرقيّ جبل "الفهود" -تُرْبل-باستدارته.
وتبعد عن العاصمة بيروت حوالى 80 كيلو متراً، كما تبعد عن الحدود السورية نحو 40 كيلو متراً. ويخترقها في الشرق نهر "أبو علي" المتدفّق من "ينبوع الحدائق" بالوادي المقدّس "قاديشا"، وهو يفصل بين ربوتَيْ "أبي سمراء" جنوباً، و"قُبّة النصر" شمالاً.
تضرب جذورها في عُمق التاريخ، وتَرْقى إلى ثلاثة آلاف وخمس مئة عام، حيث أسّسها الفينيقيون قبل الميلاد بنحو ألفٍ وخمس مئة عام، وتعاقبت عليها الأمم والعهود من الفينيقيّين حتى الانتداب الفرنسي، مروراً بالرومان، والبيزنطيّين، والعرب، والفرنجة، والمماليك، والعثمانيين.
وتُعتبر طرابلس المدينة الأولى بثروتها التراثية على الساحل الشرقيّ للبحر المتوسّط، وهي الثانية بآثارها المملوكية بعد القاهرة، وتمثّل متحفاً حيّاً يجمع بين الأوابد الرومانية والبيزنطية، والآثار الفاطمية والصليبية، والعمارة المملوكية والعثمانية.
إنها مدينة متكاملة بأحيائها، وأسواقها، ودورها، وأزقّتها المتعرّجة المُلْتوية، والمسقوفة، ومعالمها التي تمتدّ -من الجنوب إلى الشمال- نحو الكيلومترين، ومن الشرق إلى الغرب نحوالكيلومتر ونصف الكيلومتر، وتضمّ بين جَنَباتها أكثر من 160 مَعْلماً، بين قلعة، وجامع، ومسجد، ومدرسة، وخان، وحمّام، وسوق، وسبيل مياه، وكتابات، ونقوش، ورُنوك، وغيرها من المعالم الجمالية والفنيّة.
في أسواقها القديمة يتنشّق المرء عَبَق التاريخ، ويتنسّم روح الشرق، ويشاهد الصناعات والحِرَف المحلّية المستمدّة جذورها من الزمان الخالي، ويتذوّق أشهى الأطعمة والحلويات، ويشتري مختلف الحاجيّات بأرخص الأسعار.
وتنعم المدينة- ذات نصف المليون نسمة تقريباً- باعتدال المناخ، ووفرة المياه، وكثرة الفواكه والثمار، وسهولة التنقّل، فضلاً عن حُسْن الضيافة، وكرم الوِفادة التي يشتهر بها الطرابلسيّ الذي يتقن التحدّث مع ضيوفه بلُغتهم، ويستقبلهم بترحيبه ولُطفه الموروث من قيمه وحضارته.
وتواكب طرابلس بجَهد أبنائها رَكْبَ التطوّر والحَدَاثة، مع تمسّكها بإرث الأجداد. وهي كما وصفها المؤرّخون: بريّة-بحرية، سهلية-جبلية، شامية-مصرية.
لم تتعرض مدينة طرابلس للحرب كما حدث في مناطق لبنانية أخرى كثيرة، وتحاول المدينة في الوقت الحاضر تحريك عجلتها الاقتصادية وتطوير أوجه الحياة المدنية فيها. يعتمد اقتصاد مدينة طرابلس على الصناعات الحرفية، وبعض الصناعات التحويلية الصغيرة، والسياحة.
|